أميرة اللفت: أسطورة ألمانية قديمة

Standard

King Golden Hair

ضل أمير شاب طريقه في الغابة لينتهي به الحال في أحد الكهوف. أمضى الليلة فيه، وفور إستيقاظه فوجئ بامرأة عجوز ودب وكلب يقفون بجواره. بدت الساحرة العجوز جميلة للغاية وتمنت لو أن الأمير بقى بجوارها وتزوجها. ولكن الأمير لم يستطع تحملها، ولكنه لم يستطع مغادرة ذلك المكان كذلك.

وفي أحد الأيام، كان الدب بمفرده مع الأمير وأخبره: “انزع ذلك المسمار الصدئ من الحائط لكي أتحول، وضعه تحت أحد ثمار اللفت في الحقل، لتحصل لنفسك على زوجة جميلة.” نزع الأمير المسمار بقوة هزت جدار الكهف وأصدر المسمار صوت أشبه بصوت الرعد. وخلفه نهض الدب عن الأرض ليتحول لرجل بلحية وتاج فوق رأسه.

“الآن سأبحث لنفسي عن عذراء جميلة.” صاح الأمير ومشى سريعاً. وصل لأحد حقول اللفت وبينما كان على وشك وضع المسمار تحت أحد الثمار ظهر فوق منه وحش، جعل المسمار يسقط من يده وتسبب السياج بجرح في اصبعه جعله ينزف حتى فقد وعيه. عندما استيقظ وجد نفسه في مكان مختلف وتفاجئ بأنه نام طويلاً، لأن ذقنه الملساء كانت تغطيها الآن لحية شقراء خفيفة.

نهض وبدأ بشق طريقه وسط الحقول والغابات وبحث في كل حقول اللفت ولكنه لم يجد ما يبحث عنه في أي مكان. مر النهار والليل كذلك، وفي أحد الليالي بينما كان يجلس على تلة تحت احدى الشجيرات، شجيرة من البرقوق وتغطي أحد فروعها عدد من البراعم الحمراء. كسر ذلك الفرع، ومن ضمن الأشياء التي كانت أمامه على الأرض، كانت هناك نبتة لفت بيضاء كبيرة، غرز الفرع في ثمرة اللفت وغط في النوم.

عندما استيقظ في اليوم التالي، بدت ثمرة اللفت بجانبه أشبه بصدفة كبيرة مفتوحة وظهر من خلالها سن الفرع، وبدت جدران ثمرة اللفت أشبه بجدران قشرة الجوز، وتجسدت في مخيلته شكل النواة. شاهد بعدها قدم صغيرة، ومن ثم يد رفيعة، وبعدها الجسم بأكمله، وحتى الشعر المنحوت برقة، تماماً كما لو أنه يخص أجمل فتيات الكون.

نهض الأمير وبدأ بحثه ، ووصل أخيراً للكهف القديم في الغابة، ولكن لم يكن به أحد. أخرج المسمار وغرزه في حائط الكهف، لتظهر السيدة العجوز والدب في الحال. “أخبريني، فلا بد أنك تعرفين”، زمجر الأمير موجهاً كلامه للعجوز، “أين وضعتي الفتاة الجميلة التي كانت في الخندق الصغير؟” ضحكت العجوز عندما سمعت ذلك، “أنت تملكني، فلمَ تهملني؟”

أومئ الدب كذلك، ونظر للمسمار في الحائط. “أنتِ صريحة، هذا أكيد”، أخبرها الأمير، “ولكنني لن أكون مغفل العجوز من جديد”. تذمر الدب قائلاً، “فلتنزع المسمار وحسب.” مد الأمير يده للمسمار ونزع نصفه، ونظر حوله ليرى الدب وقد تحول نصفه لرجل، والعجوز القبيحة تكاد أن تكون فتاة جميلة رقيقة. نزع بعدها المسمار بالكامل ليرتمي في حضنها فقد تحررت أخيراً من اللعنة واحترق المسمار تماماً. وارتحل الزوجان الصغيران مع والده، الملك، لمملكته.

صداقات أدبية

Standard
  • جي. أر. أر. تولكين و سي. اس. لويس:

topic

في شهر مايو عام 1926، التقى جي. أر. أر. تولكين وسي. اس. لويس في اجتماع هيئة التدريس الانجليزية بجامعة أوكسفورد. لم تكن صداقة من النظرة الأولى. ويقول لويس عن لقائهم آنذاك، “شعرت أن لا ضرر منه، ولكنه كان بحاجة لصفعة أو اثنتان.”

بالطبع لم يمر وقت طويل قبل أن يصبحا أقرب الأصدقاء. فكانا ناقدان للأعمال الأولى لكل منهم – ملك الخواتم بالنسبة لتولكين، وخارج الكوكب الصامت بالنسبة للويس – حتى أنهما قاما بتكوين جماعتهما الأدبية الخاصة، “الشكاكون”.

  • توني موريسون وجيمس بالدوين:

1431111800-1431111800_goodreads_misc

أثناء عملها بدار “راندوم” للنشر كمحررة أدبية، حاولت موريسون إقناع بالدوين بتوقيع عقد كتاب، ولكنها فشلت. ولكن أصبح الاثنان أصدقاء مدى الحياة.

وقد اعترف كلا منهم بتأثير الآخر على كتاباته، وقد عبرت موريسون عن ذلك بطريقة تمس القلب في تأبينها لبالدوين: “كنت تعرف، أليس كذلك؟ كيف كنت أعتمد على شجاعتك لتروض البرية من أجلي؟ كم كنت أشعر بالقوة لتأكدي أنك لن تأذيني أبداً؟ كنت تعرف أليس كذلك، كم أحببت حبك؟ كنت تعرف.”

  • ترومان كابوتي وهاربر لي:

1431115692-1431115692_goodreads_misc

أثناء طفولته، انتقل كابوتي للعيش مع أقاربه، والذي تصادف أنهم جيران آل لي. سكنت العائلتان نفس الشارع بمدينة مونروفيل الصغيرة بألاباما.

ولعقود سرت إشاعة حول الصداقة التي جمعتهم بأن كابوتي كتب أو كان له تأثير كبير على رواية لي “أن تقتل طائراً محاكي”. ولكن حسمت القضية رسالة أرسلها كابوتي لعمته، قبل نشر الرواية بعام واحد. حيث كتب أنه قرأ كتاب صديقته، وأعجب به كثيراً، ويرى بأنها موهوبة للغاية.

  • شارلوت برونتي وإليزابيث جاسكيل:

n-BRONTEGASKELL-large570

بعد نجاح روايتها “جين آير” وسطوع نجمها، وجدت برونتي نفسها فجأة داخل مجتمع المثقفين. وقد تكفلت الروائية الشهيرة جاسكيل أمر برونتي الخجولة.

ولكن الغريب في علاقتهم، كان رغبة جاسكيل المُلحة في كتابة سيرة ذاتية عن صديقتها، وقد استاءت برونتي من ذلك الاهتمام، وتذمرت لناشرها: “تبدو جاسكيل مُصرة أن تظهرني على أنني شئ فاسد. لما لا يمكنني أن أكون جيدة كالآخرين؟”

وبعد مرور سنتين على موت برونتي المفاجئ، نشرت جاسكيل كتابها “حياة شارلوت برونتي”، وهي وجهة نظر مثيرة للجدل عن حياة الروائية المشهورة.

  • تيري براتشيت ونيل جايمان:

neil-gaiman-and-terry-pratchett

أثناء عمله كصحفي، التقي جايمان ببراتشيت عام 1985 في مطعم صيني، لتبدأ صداقتهم.

فبعد أن اطلع براتشيت على أول خمسة آلاف كلمة من قصة أسماها جايمان “وليام الدجال”، اتصل به براتشيت ليسأله عما إذا كان بإمكانهم العمل معاً، وهذا ما فعلاه. وكانت النتيجة هي التحفة الساخرة “نذر الشؤم”.

ويتذكر براتشيت لاحقاً، “تواصلنا بشكل جيد. من الصعب معرفة السبب، ولكن في أعماقنا أعتقد أننا تشاركنا نفس البهجة والانبهار بكل ما هو غريب في الكون، في القصص، في التفاصيل الغامضة، في الكتب القديمة الغريبة في المكتبات المهملة.” وفيما بعد، كتب جايمان إهداء لتيري براتشيت بعد وفاته.

  • لويزا ماي ألكوت ورالف والدو إيمرسون:

1431116487-1431116487_goodreads_misc

تمتعت ألكوت بعلاقاتها العديدة، فكان كلا من هنري ديفيد ثورو وناثانيال هاوثورن أصدقاء العائلة، وكان إيمرسون صديق قديم لوالدها.

ومنح إيمرسون الكاتبة الشابة السلطة الكاملة للاستفادة من مكتبته. مما قاد ألكوت لتكتب فيما بعد، “فتح ذراعاه لي بعطف وكشف لي ثروات شكسبير، ودانتي، وجوته، وكارلايل. وأتذكر صبره بينما كان يقودني في غرفته المحاطة بالكتب.”

  • لورد بايرون وماري شيلي:

1431116695-1431116695_goodreads_misc

التقى اللورد بايرون وماري عن طريق ما هو أشبه بصديق مشترك، وهي كلير كليرمونت، عشيقة بايرون السابقة وأخت شيلي غير الشقيقة. أقنعت كلير أختها شيلي وزوجها المستقبلي بيرسي بالسفر لسويسرا ليلتقيا ببايرون، وتواصل ثلاثتهم فور لقائهم.

وما الذي تفعله العقول المفكرة عندما تجتمع في ليلة عاصفة؟ يروون القصص بالطبع. وفي ليلة مماثلة، تحدي بايرون شيلي ومجموعة من الأصدقاء بأن يكتبوا قصصهم المخيفة. وبعدها بفترة قصيرة، استيقظت شيلي من حلم أو الأصح كابوس كان هو بذرة روايتها الكلاسيكية “فرانكنشتاين”.

30 جملة افتتاحية.

Standard

typewriter

“لم تكن هناك فرصة للذهاب في نزهة ذلك اليوم”
(جين آير) لـ شارلوت برونتي

“ماتت أمي اليوم. أو ربما بالأمس، لست متأكداً.”
(الغريب) لـ ألبير كامي

” كان عجوز اعتاد اصطياد السمك بمفرده في قارب صغير بالخليج، وقد مضى عليه أربعة وثمانون يوماَ دون اصطياد سمكة.”
(العجوز والبحر) لـ إرنست هيمنجواي

“كل هذا حدث، ربما أكثر أو أقل.”
(المذبح رقم خمسة) لـ كيرت فونجت

“أنها حقيقة كونية يعلمها الجميع، أنه كل رجل أعزب ويمتلك ثروة جيدة، لابد أنه بحاجة لزوجة.”
(فخر وكبرياء) لـ جين أوستن

“كل العائلات السعيدة متشابهة؛ أما العائلات التعيسة فكل منها تنفرد بطريقة تعاستها.”
(آنا كارنينا) لـ ليو تولستوي

“كان أفضل الأوقات، وكان أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقات، كانت حقبة الإيمان، وكانت حقبة الشكوك، كان موسم النور، وكان موسم الظلام، كان ربيع الأمل، وكان شتاء اليأس، كان لدينا كل شئ، ولم يكن لدينا أي شئ، كنا جميعاً في طريقنا مباشرةً للجنة، وكنا جميعاً في طريقنا مباشرةً في الاتجاه المعاكس.”
(حكاية مدينتين) لـ تشارلز ديكنز

“كان أحد أيام أبريل المشرقة الباردة، وكانت الساعات تعلن عن دقاتها الثلاثة عشر.”(1984) لـ جورج أورويل

“كان صيف غريب وحار، كان الصيف الذي أعدموا فيه آل روزنبيرج بالكهرباء، وبالنسبة لي فلم أكن أعرف ماذا أفعل في نيويورك.”
(الناقوس الزجاجي) لـ سيلفيا بلاث

“أنت لن تعرف بأمري مالم تكن قد قرأت كتاب يدعى “مغامرات توم سوير”؛ ولكن لا تقلق. ذلك الكتاب كتبه سيد يدعى مارك توين، وهو يكتب الحقيقة، غالباً.”
(مغامرات هاكلبيري فين) لـ مارك توين

“إن كنت ترغب بسماع القصة بأكملها، أول شئ قد ترغب بمعرفته هو مكان مولدي، وكيف كانت طفولتي البائسة، ومدى انشغال والداي قبل أن يرزقا بي، كل هراء ديفيد كوبرفيلد ذاك، ولكنني لا أشعر بالرغبة في الخوض في كل ذلك، إن كنت ترغب بالحقيقة.”
(الحارس في حقل الشوفان) لـ جي. دي. سالينجر

“يقولون عندما تأتي المتاعب فلتصطفوا، وهذا ما فعله ذوو البشرة البيضاء.”
(بحر سارجاسو الواسع) لـ جين رايس

“عندما كنت أصغر وأكثر عرضةً للمتاعب نصحني والدي بنصيحة ظللت أقلبها في عقلي منذ ذلك الحين. كلما شعرت بالرغبة في إنتقاد أحدهم، كان يخبرني، فقط تذكر أن كل الناس في هذا العالم لم يحظوا بالمميزات التي حظيت بها.”
(جاتسبي العظيم) لـ ف. سكوت فيتزجيرالد

“الماضي هو دولة أجنبية؛ يقومون بالأمور بطريقة مختلفة هناك.”
(حلقة الوصل) لـ ال. بي. هارتلي

“عندما استيقظ جريجور سامسا في الصباح من نوم مثقل بالأحلام المزعجة على سريره، وجد أنه تحول لحشرة متوحشة.”
(المسخ) لـ فرانز كافكا

“فلتناديني بإسماعيل.”
(موبي ديك) لـ هيرمان ميلفل

“سطعت الشمس، فلم يكن أمامها حل آخر، ولم يكن هناك شئ جديد.”
(ميرفي) لـ صامويل بيكيت

“كان حباً من النظرة الأولى. فمنذ أول مرة تقع عيني يوسريان على القس، عرف بأنه وقع في غرامه.”
(الخدعة 22) لـ جوزيف هيلر

“تمتعت الآنسة بروك بذلك الجمال الذي بدا كفيلاً بإرسالها للإغاثة بالنظر لسوء ملبسها.”(ميدل مارش) لـ جورج إليوت

“كل الأطفال كبروا، عدا واحد.”
(بيتر بان) لـ جي. م. باري

“تحت الظروف المناسبة هناك ساعات قليلة قد تكون أكثر لطفاً من تلك الساعة المخصصة للطقس المسمى بشاي الظهيرة.”
(لوحة سيدة) لـ هنري جيمس

“لوليتا، نور حياتي، نار في جسدي. خطيئتي وروحي. لو-لي- تا: يخوض طرف اللسان رحلة من ثلاث خطوات حتى أسفل الحلق، عند العد لثلاثة، أشعر بها على أسناني. لو. ليي. تا.”
(لوليتا) لـ فلاديمير نابوكوف

“لم يكن أمامه مفر؛ فكانت رائحة اللوز المر تذكره بمصير حبه غير المتبادل.”
(الحب في زمن الكوليرا) لـ جابرييل جارسيا ماركيز

“أنهم بالخارج. فتيان سود يرتدون بزات بيضاء يرتكبون أفعال جنسية في الردهة ويمحون آثارها قبل أن أقبض عليهم.”
(طائر حلق فوق عش الوقواق) لـ كين كيسي

“أنا كاميرا عدساتها مفتوحة، سلبي بعض الشئ، أسجل ولكنني لا أفكر.”
(وداعاً برلين) لـ كريستوفر إيشروود

“إلمير جانتري كان مخموراً. كان مخموراً بفصاحة، مخموراً بحب وبدافع للقتال.”
(إلمير جانتري) لـ سينكلير لويس

“كانت قبعة صيد خضراء تعصر أعلى البالون الملئ باللحم المسمى بالرأس.”
(تحايل الأغبياء) لـ جون كينيدي تول

“مرت موجة البرد فوق الأرض على مضض، وكشف الضباب في انحساره عن جيش ينتظر أعلى التلال.”
(وسام الشجاعة الأحمر) لـ ستيفن كرين

“كان ذلك اليوم الذي انفجرت فيه جدتي.”
(طريق الغراب) لـ إيان بانكس

“ناظر المدرسة كان على وشك مغادرة القرية، وبدا الحزن جلياً على الجميع.”
(جود الغامض) لـ توماس هاردي

قصة “ماجور ممكن” للكاتبة الأمريكية آن بيتي

Standard

ann-beattie

(نشرت في مجلة النيويوركر بتاريخ 20 أبريل 2015)

تم إلقاء القبض على المتشردة  ذات الشعر الأحمر عقب سقوطها في الشارع وقبل أن تدهسها سيارة تاكسي. قبل انطلاقها الجنوني وسط السيارات (من يمكن أن نحمله مسئولية أفعالها؟)، كانت قد اتهمت كلب بطوق حول رقبته بأنه الشيطان نفسه، وهو ادعاء رفضه صاحب الكلب بشدة. اسم الكلب كان ماجور ممكن، وقصته كانت معروفة في الحي أكثر من قصة السيدة ذات الشعر الأحمر. قام مُربي الكلب بتسميته ماجور، أما العائلة التي تبنته – جيراننا بالمنزل المجاور، آل ليفيل – حاولوا مناداته باسم مشابه لكي لا يربكوه، حاولوا أسماء مارك وماسون، ولكن الكلب لم يكن ليستجيب لأي اسم يبدأ بحرف “الميم”، حتى بدأت الابنة الصغرى ذات الأربعة أعوام والتي كانت تحادث الدمى بكثرة – باخبارهم بأنهم من الممكن أن يذهبوا لبارني، ومن الممكن أن يذهبوا للحديقة، ومن الممكن أن يحصل على بسكويتة إذا أحسن التصرف، وكما خمنت بالفعل، فقد تمكنت كوري ليفيل الصغيرة من التوصل للاسم الوحيد الذي استجاب له الكلب. مؤخرًا، رأوا أنه سيكون مضحكًا إن قاموا بتسميته “ماجور ممكن”.

زميلي في السكن آنذاك كان أحد طلبة التمثيل باسم إيجل سورز. والده البريطاني تزوج من أمريكية، والتي ادعت أن جدتها الكبرى لها أصول هندية. إيجل سورز كان يلقب بإيدي وسط زملائه، ولكن شهادة ميلاده كانت تفضح اسمه الأول والأوسط إيجل سورز (اسمه الأخير، والذي تخلى عنه، كان ستيفنز)، وبحلول عامه العشرون طرأ بذهنه أن اسمه قد يكون مفيدًا إن أراد التمثيل. جنى بعض المال عن طريق تمشية ماجور ممكن الساعة الرابعة عصرًا، وصولاً للجادة العاشرة، وعبر شارع الحادي والعشرون أو الشارع الثاني والعشرون، عابرين الجادة الثامنة، ومن ثم يعودان للمنزل عبر الشارع العشرون.

تلك الأيام، كان تشيلسي حي المتزوجون. لم توجد أي معارض فنية، مع وجود بعض النوادي الجنسية في غرب الحي. كان هناك بائع زهور لطيف يدعى هاوي. وكنت أحيانًا أشتري وردة واحدة لأعود بها للشقة لأضيفها لمذبحي الصغير أقصى شمال النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة الخلفية، والذي يشمل صورة لأبي وأمي يوم زفافهم وضعتها في إطار صغير على شكل قلب، صورة لأختي وهي ممددة على سجادة من الفراء، وهي تبدو في حالة ذهول يوم أحضروها من المستشفى، صورة باهتة لحيواني الأليف الأول، القطة دوريس، وفي صندوق زجاجي، باقة الورود المجففة التي ارتديتها حول معصمي يوم حفل تخرجي من الثانوية، وأحد ضروس العقل خاصتي الذي كان يتدلى من سلسلة حول مقبض النافذة المعدني. قمت بجمع تلك الأشياء لتمثل وحدتي برفقة إيجل سورز، والذي اشتمل ركنه الأيمن من النافذة على إطار ثنائي يحتوي صورته يوم تخرجه من الثانوية وصورة للفتى الذي كان معجبًا في المدرسة الثانوية، وقد غطت وجهه ضمادة كبيرة بعد خضوعه لعملية لترميم أنفه (حادث بالدراجة)، مبراة أقلام عليها فرس نهر راقص يرتدي تنورة منتفخة، ملعقة شاي سرقها من فندق البلازا، وأمر بالإخلاء موضوع في إطار من صاحب المنزل السابق الذي كان يسكنه بكولومبس، أوهايو. وكانت مزحة مستمرة بيننا أنه كلما أحضرت زهرة جديدة كان يقوم بتحريكها لركنه الأيمن في نصف الليل، وعندما يخرج ليتمشى مع ماجور ممكن كنت أعيدها لركني مجددًا. كنا نتقاسم فاتورة النبيذ الأسبوعية، لأن أيّ منا لم يكن يشرب أكثر من الآخر. كان أكثر اهتمامًا بالحشيش، وكنت أنا أكثر اهتمامًا بألا يزداد وزني. وعلى الرغم من ذلك، كنا نحتسي جالونًا من النبيذ الإيطالي الأبيض كل أسبوع، والذي لطالما أكد بائع النبيذ أنه لن يكون متاحًا لفترة طويلة (ولكن لم يكن هنالك شئ يُقال ليقنعننا بأن ننفق نقودنا على شراء علبة كاملة من النبيذ). كنت أعمل بدوام جزئي كنادلة، وكانت أمي ترسل شيك كل شهر ليغطي نصف الإيجار.

يوم حادث الكلب والسيدة ذات الشعر الأحمر، كنا سورز وأنا بالخارج على الكراسي الصغيرة الموضوعة أمام السور المعدني المُطل على موقع البناء، حيث كانت توجد بعض النباتات في أصيص وردي كبير التي وضعها الرجل القاطن بشقة الدور الأرضي، والتي أضفت جو لطيف على المكان. كما قام بوضع مخدات دائرية على الكراسي، مما جعلهم أكثر راحة في الجلوس. كان طبيب نفسي متخصص في معالجة المراهقين. كانوا يصلون ويغادرون وعلى وجههم نفس التجهم، يرمون السجائر على الأرض ويسحقونها بأقدامهم، نادرًا ما يوجهون أنظارهم لنا. أخبرنا الطبيب النفسي أنه ربما من الأفضل ألا نرحب بمرضاه، لأنه من المحتمل أن أي شئ سنخبرهم به سيكون خاطئًا. تقبلنا ذلك وتجاهلنا وجوههم المُغطاة بحب الشباب وأبعدنا دخان سجائرهم عنّا وكنا ننظر خلالهم وكأنهم غير مرئيين، إلا إذا بدوا يائسين لأن يكونوا لطيفين فكنا نقول “مرحبًا.” في إحدى المرات، جاءت سيارة إسعاف لتقل أحد المرضى من الدور الأرضي، والذي اكتشفنا لاحقًا (برغم علاقة السرية بين الطبيب والمريض)، أنه كان ينزف بشدة وقد قام بحشو بنطاله بالمناشف ليتمكن من حضور موعده الأسبوعي. كان يطلق على الدور الأرضي “شقة الحديقة”. وعندما كانت كرمة العنب الكبيرة في كامل ريعانها كان الطبيب يأخذ الكراسي الصغيرة ليضيفها لتلك في الحديقة الخلفية ويقيم حفل شامبانيا حقيقي، والذي كان يدعونا له على الدوام. أما إذا كان يجلس في الكراسي الصغيرة أثناء وجودها أمام المنزل، فلم نعرف لأننا لم نره يومًا. ولكن مجددًا، تلك الكراسي كنا نحتلها كثيرًا، وكان رجل مهذب لطيف، لذلك ربما لم تسنح له الفرصة فقط.

كنا نقوم ببعض تدريبات التمثيل. يقرأ سورز جمله، وفي مرحلة ما تصبح مهمتي أن أقحم أي شئ من شأنه أن يشتت انتباهه، أو أن تصيبني نوبة من السعال المزيف، أو أن أقول شئ عدائي مثل، “يا أيها الشاذ التعس، أنت لست بإدوارد، فما بالك بالملك لير!” كان المبدأ هو أن أي شئ يمكن أن يحدث خلال العرض، وعلى الممثل أن يتحكم برد فعله ويواصل دون أي تعثر. كان لدى سورز نسخة واحدة من النص، لأن طباعته تكلف الكثير، لذلك كنا نجلس قريبين من بعضنا البعض. حاولت التمثيل أيضا، لدرجة أنني لم أكن أرغب بأن يتوقع أيّ من انفجاراتي أو زفراتي، والتي علمت أنه بوسعه الشعور بها من طريقة تغير أنفاسي عندما أوشك على الحديث، أو بأي تغير بسيط في حركاتي، أو بذلك الصوت الذي يكاد يكون غير مسموع الذي تصدره شفتاي عندما أفتحها. مهمتي كانت أن أصعقه بدون أي تحذير مسبق. قمت مرة برمي نفسي من على الكرسي وبدأت أتلوى كشخص مُصاب بنوبة. كنت قد ارتديت أكمام طويلة وبنطال جينز، لذلك كان الأذي بسيطًا، ولكن رآني أحد عمال التوصيل الذي كان يدحرج زجاجات صودا لموقع البناء المجاور توقف وهرع لمساعدتي، وكان الأمر محرجًا بعض الشئ عندما بدأت بالشرح.

يبدو أنني شخصية عاطفية، ولا أعتقد أنني كنت هكذا من قبل. (أنا طبيبة الآن، أعمل مع مجموعة طبية في بورتلاند، ماين؛ بينما سورز هو أب مُطلق لتوأم يبحر على قارب خشبي في المياه البيضاء، يقود رحلات لشركة سياحية بالغرب، يكتب مقالات عن النشاطات الخارجية، ويقوم بإلقاء الدروس بجامعة الحي).

ها هو شئ بديهي لم أفكر فيه سوى مؤخرًا: سورز وأنا لم نكن مناسبين كشركاء بالسكن لتلك الدرجة. اعتدنا على بعضنا البعض حتى تحولنا لزوجين عجوزين، في وقت قصير جدا. لسنين، كنا نمثل فيما يشبه اللعب روتين الزواج، مع نوباتي المجنونة والمفاجئة العصبية، ومزحتنا التي استمرت لوقت طويل بتحريك مقتنيات بعضنا البعض، وجملنا التكرارية باستمرار (رغم أن جمله كانت في معظم الوقت لشكسبير).

وأثناء وجود سورز في نيويورك، قرر أنه عدا إعجابه بصديقه في المدرسة الثانوية، فهو لم يكن شاذاً. توقف عن مواعدة الرجال وبدأ بالتسكع معي وصديقاتي، وثم بدأ بمواعدة احداهن، والتي كسر قلبها فيما بعد، وتلك قصة أخرى؛ فهو حتى وإن كان منجذبًا لكلا من الرجال والنساء، فقد اختار أن يتزوج بامرأة.

على أية حال، أثناء تدربي مع سورز ذلك اليوم، نهضت السيدة ذات الشعر الأحمر من على الرصيف  وبدأت بلعن صديقنا الكلب، صارخة “لوسيفر الشيطان! لوسييييييفر!” تنطلق بعد ذلك باتجاه ماجور ممكن المذعور، الذي كان قد رفع قدمه للتو ليتبول بجوار شجرته المفضلة ليتم إذلاله عندما يُجبر على إنزال قدمه في منتصف قيامه بذلك. مددت ذراعيها، ربما كانت تقصد بذلك الإطاحة بالسيد ليفل، الذي تنحى جانبًا بكل بساطة مفسحًا المجال لذلك الإعصار بالمرور. ماجور ممكن، ذلك الرفيق المُسالم ألقى بنفسه على الأرض. وذلك ما فعلته هي أيضا، وهي تدور بجنون بدءًا بقدميها العاريتين وساقيها السميكتين حتى تنورتها الطويلة المُلطخة التي التفت حولها بشكل تسبب في عرقلتها  أثناء انطلاقها ما بين سيارات الشارع العشرون، تعوي أن بمجرد ظهور الشيطان لن يوجد سبيل للخلاص، التفت الأقمشة حولها وبدت كقطعة حلوى، لتسقط للأمام، وكأن أحدهم لم تعجبه تلك الحلوى. توقفت سيارة أجرة على عجل، وقفز السائق منها لينحنى فوقها كحكم يعد اللحظات الأخيرة، بينما يوبخ من حوله بأصابعه، سقطت المرأة. حتى نهضت فجأة، لتلف ذراعيها حوله وتحاول خنقه حتى الموت، ليظهر السيد ليفيل كمنقذ ديني (في العقد الخامس من عمره) ويحاول تخليصه منها. ماجور ممكن كان مرتعبا لدرجة جعلت فكه يترهل، خاصة بوجود سلسلته فوق احدى الرؤوس المدببة للبوابة الحديدية التي تحيط بالمنطقة الأسمنتية الصغيرة أمام منزله. السلسلة كانت قصيرة للغاية فلم يكن ليتمكن من أن يتمدد دون أن يتسبب ذلك في خنقه، لذلك كان عليه أن يجلس ويشاهد الحدث. كان قد حظى للتو بنزهة منعشة، رفع قدميه للتبول بضع مرات، واختبر روائح ممتازة، والآن هذا: انفجار تتسبب به متشردة أرسلها لنا فيدل كاسترو، الذي أخرج الكوبيون من مستشفيات الأمراض العقلية ليضعهم على سفن ويرسلهم لنا ليختلطوا بالمجانين خاصتنا. في الأيام الجيدة، كانت السيدة ذات الشعر الأحمر تغني التراتيل بالأسبانية، بصوت جميل وواضح. كانت تشعر بالهواء يسري في شعرها، وتأكل بسكويتها المملح ولا تتسبب بأي شئ لأي شخص. أما في الأيام السيئة … حسنًا.

أين الشرطة؟ أين الشرطة؟ هذا كان وقت قبل ظهور الهواتف المحمولة. عندما وصلت الشرطة، تعاملوا مع السيدة ذات الشعر الأحمر بقسوة، لدرجة جعلت الرجل الديني يتدخل مجددا (لم يجدِ ذلك). كانت كلتا يداها مقيدتان  وكان رجل الشرطة يدخل رأسها في السيارة كلاعب كرة سلة يسدد كرة بيد واحدة، بطريقة بدت سهلة وبدون أي تعقيدات، كأي تسديدة في مباراة كرة سلة.

توقفنا عن التدريب، ورفع السيد ليفيل سلسلة كلبه من حافة السور وصعد السلالم القليلة لداخل منزله. صعدنا سورز وأنا لأعلى وفتحنا زجاجة من النبيذ الإيطالي الأبيض وجلسنا في كراسي المخرجين الخاصة بنا – كانت رخيصة وكانت الأثاث الوحيد الذي نملكه. لم أبال بسرقة سورز لزهوري لجانبه، والتي كانت زنبقة متوردة في ذلك اليوم. بينما تتساقط أطرافها على الأرض أسفل النافذة مثل قشرة رأس صفراء ضخمة. بالخارج، كانت ستارة كرمة العنب كثيفة وخضراء، بينما تبدو براعمها الشاحبة المتلوية كأصابع ساحرة، والتي ستستمر في الحركة رغم عدم إزهارها. ذهبنا في نزهة وبدأنا بمناقشة مستقبلنا. تسائلنا عما إذا كنا سنفشل، هكذا وبكل بساطة؛ عن إمكانية حصوله على دور جيد يومًا ما؛ وعما إذا كنت سأكتشف يوما ما أرغب بفعله بحياتي. تسائلنا عما إذا كان الأيدز سيجتاح المدينة، عن السيدة ذات الشعر الأحمر وعما إذا كانت عاقلة كفاية لتشعر بالخوف في مخفر الشرطة، وإلى متى سيعيش ماجور ممكن.

أخذ سورز يدي بين يده. لم نمسك بأيدي بعضنا البعض، لأننا بالطبع لسنا متحابان. تشابكت أصابعنا وتفاجئت من مدى نحافة يده، وكان كفه مبلل بالعرق. بعدها فعلنا ما يفعله الكثيرون يوم زفاف المرء منهم، أو بعد جنازة أحدهم، رغم أنه في هذه الحالة كان بعد اقتياد أحد المتشردين لمخفر الشرطة. صعدنا إلى شقتنا ومارسنا الجنس. استمتعنا بعض الشئ أثناء ذلك، ولم يتغير شئ بعد ذلك، عدا توقفنا عن لعبة سرقة الزهرة، وبعدها بفترة قصيرة توقفت عن شراءهم. بدأت باستخدام المال لشراء رفاهيات أخرى مثل الماسكارا، بينما بدأ سورز بمواعدة صديقتي.

التقيت بالرجل الذي تزوجته بحفل زفاف بماين في ديسمبر (حيث كانت وصيفات الشرف يحملن سدادات من فراء الأرانب الأبيض)، وقد استغرقنا ثمان سنوات حتى تزوجنا. في البداية لم أكن متأكدة من رغبتي بمغادرة نيويورك. ومن ثم قررت الإلتحاق بكلية الطب، ولكن لم يتم قبولي بأي كلية في نيويورك، لذلك قرار الرحيل كان قد أُعد سلفًا لي.

إن كنت قد سكنت نيويورك في الثمانينات، فلا بد أنك ستتسائل الآن أين ذهب الجميع، لتذكر نفسك بعدها أن معظم سكان الحي كانوا يمتلكونه وظلوا هكذا حتى ماتوا. بعضهم مات من الأيدز، وبعضهم انتقل للعيش في بروكلين أو للغرب أو أتلانتا. بعد أحداث 11 سبتمبر، رحل الكثير من الشباب عن نيويورك متجهين لبورتلاند، ماين حيث تحولت المباني الضخمة إلى ستوديوهات وشقق بمحال أرضية صغيرة. بورتلاند المنعشة بمراكب السياح الصيفية وإبحارهم إلى أحد الجزر على الشاطئ آملين في أن يروا الفقمات. أما على الأرض، فكانت طرق الهيبيز القادمين من عصر آخر تتقاطع مع قاطني المباني الحجرية الذين لا يعبأون بالمال. انتشر الفن في الشوارع وبدأت النواد الغنائية بالازدحام بكراسيها القابلة للطي. مكتبات الكتب المستعملة استمرت بالتواجد. إن كنت في مرحلة عمرية معينة، فبورتلاند بالنسبة لك تقع بين أقواس ساخرة، لا أكثر ولا أقل. (رغم أنني أشك في مقدرة أي شاب من التلويح بها عاليا في الهواء)

مؤخراً، على موقع “آيربنب” لتأجير الشقق، رأيت شقتي القديمة. وكانت هناك حتى صورة التقطها أحدهم خارج النافذة، بعد أن قطعوا ما يكفي من كرمة العنب، ليسمحوا برؤية المشهد بالخارج. تم عمل مطبخ بضم جزء من الدرهة وما كان في السابق خزانة المعاطف. بدا وكأن الأرضية تم طلاؤها باللون الأسود ووضعت فوقها سجادة بنقشات شرقية. كانت كل الصور ملتقطة بعدسات تعطي تأثير عين السمكة. كانت شقة صغيرة، تقع تحت سقف المنزل مباشرة، فكانت هناك أجزاء في غرفة النوم لا تستطيع حتى الوقوف فيها. ولكن كل ذلك قائم على الخداع، أليس كذلك؟ أنت تفهم بأن الصورة تظهر مساحة أكثر مما هو موجود في الحقيقة. ستنخدع بتلك المزهرية بزهورها النضرة على منضدة هي في الواقع قد تكون بحجم مقلاة الفطائر. تظهر مزهرية الزهور بأكملها في الصورة. تعطي إيحاء التبذير، يشعرك ذلك البذخ بأكثر من مجرد فكرة الرومانسية أو وعد بحياة فخمة في شقة تنتظرك للترحيب بك. تلك ليست سوى زهور سيأخذونها بعيداً بعد التقاط الصورة، ليقوموا بإغلاق الستائر حتى لا يتسبب ضوء الشمس في بُهتان ألوان السجادة. يتم إغلاق مكان التصوير، لتحضيرها للمسافرون الجدد ويعيدوا افتتاحه.

ولكن تظل حبوب اللقاح الصفراء في مكانها على الأرض، لا ينمحي أثرها.

قصة “أبوللو” للكاتبة النيجرية تشيمامندا نجوزي أديتشي – الجزء الثاني

Standard

8290323769_178b248257_b

نهاية كل أسبوع، كنت أتناول الغداء مع والداي. كنت أتناول طعامي بسرعة، حالمًا بالهروب وآملاً ألا يقوما بتوجيه أيّ من أسئلتهم تلك لي. في أحد الأيام، قدم رافاييل أقراص بيضاء من البطاطا المغلية على حشية من الخضراوات، مع مكعبات البابايا والأناناس.

“الخضراوات كانت جافة للغاية،” وبخته أمي، “أتظننا ماعز آكلة للأعشاب؟” نظرت إليه، “ما خطب عيناك؟”

استغرقت دقيقة لألحظ أن هذا ليس أسلوبها المعتاد في النقد الرمزي – “ما ذاك الشئ الكبير الذي يسد أنفك؟” كانت لتسأله، إن شمت رائحة غريبة في المطبخ لم يلحظها هو. ولكن بياض عيني رافاييل كان أحمر، لون أحمر مؤلم وغير طبيعي. غمغم قائلاً أن حشرة طارت داخل عينيه.

“يبدو وكأنه أبوللو،” قال والدي.

أبعدت أمي كرسيها وتفحصت وجه رافاييل، “أه، نعم، هو بالفعل. اذهب لغرفتك ولتبق هناك.”

تردد رافاييل، وكأنه يرغب برفع الأطباق عن الطاولة أولاً.

“اذهب! قبل أن تنقل لنا جميعًا العدوى.” أمره والدي.

بدا رافاييل مرتبكًا وبدأ بالابتعاد عن الطاولة. نادته أمي مجددًا لتسأله، “هل أصبت به من قبل؟”

“لا، سيدتي.”

“إنها عدوى تصيب الملتحمة، إحدى أنسجة العين، وهي الطبقة الخارجية من عينيك.” أخبرته. وفي وسط حديثها بلغة الإيبو، بدت كلمة “الملتحمة” خطيرة وحادة. “سنذهب لشراء الدواء لك، عليك بإستخدامه ثلاث مرات يوميًا ولتبق في غرفتك. لا تطهو أي شئ حتى تشفى.” التفتت ناحيتي لتقول، “أوكيناوا، عليك ألا تقترب منه. أبوللو مرض معدٍ للغاية.” وبدا من نبرتها اللامبالية، أنها لم تتخيل أنه يوجد أي سبب يجعلني أقترب من رافاييل.

لاحقًا، قاد والداي حتى الصيدلية في المدينة وعادا بزجاجة من قطرات العين، والتي أخذها والدي لغرفة رافاييل في جزء الخدم بمؤخرة المنزل، كما لو أنه يتم جره مجبرًا للمعركة. ذلك المساء، ذهبت مع والداي لطريق أوبولو لشراء البازلاء المُحمرة من أجل العشاء؛ وعند عودتنا، شعرت بغرابة ألا يقوم رافاييل بفتح الباب الأمامي لنا، وعدم وجوده ليغلق ستائر غرفة الجلوس ويفتح الأضواء، بدا مطبخنا هادئ، ومنزلنا خالٍ من الحياة. وبمجرد انغماس والداي في نشاطاتهما، ذهبت لقسم الخدم وقرعت باب رافاييل، كان الباب مواربًا. كان رافاييل ممدداً على ظهره، وقد تم دفع سريره الصغير باتجاه الحائط، والتفت ناحيتي متفاجئًا عندما رآني أدخل، محاولاً النهوض. لم أدخل لغرفته من قبل. عكس المصباح الكهربائي المكشوف المتدلي من السقف بعض الظلال الكئيبة على المكان.

“ماذا هنالك؟” سألني.

“لا شئ. جئت لأطمئن عليك.”

هز كتفيه وعاود استلقاؤه على السرير، “لا أعرف كيف أصبته به، لا تقترب مني!”

ولكنني اقتربت.

“أصبت بالأبوللو في الصف الثالث،” أخبرته، “ستذهب سريعًا، فلا تقلق. هل استخدمت قطرات العين هذا المساء؟”

هز كتفيه مجددًا ولم يقل شيئًا. كانت زجاجة قطرات العين على الطاولة ولم تُفتح بعد.

“ألم تستخدمها مطلقًا؟”

“لا.”

“لماذا؟”

تجنب النظر لي وقال، “لا أستطيع فعلها.”

رافاييل الذي يستطيع نزع أحشاء الديك الرومي وحمل كيس كبير من الأرز، لا يستطيع وضع قطرات من الدواء في عينيه. في البدء كنت مصدومًا، ثم مستمتعًا، ثم تحركت. بحثت في أرجاء غرفته وصدمني كم كانت فارغة – سرير تم دفعه ناحية الحائط، طاولة صغيرة، وصندوق معدني في أحد الأركان، افترضت أنه يحوي كل ما يملك.

“سأضع لك القطرات.” أخبرته. أخذت الزجاجة وأزلت الغطاء.

“لا تقترب مني!” كررها مجددًا.

ولكنني كنت قد اقتربت بالفعل، انحنيت فوقه وبدأت عيناه بالارتعاش.

“تنفس كما في الكونغ فو”، أخبرته.

لمست وجهه وسحبت جفنه السفلي الأيسر برفق، ووضعت الدواء في عينيه، أما الجفن الآخر فسحبته بحزم أكثر لأنه كان يحاول إغلاق عينيه. “أنا آسف” اعتذرت له.

فتح عينيه ونظر لي، ولمع وجهه بالإعجاب. لم أكن يومًا محط الإعجاب من قبل أي شخص. جعلني أفكر في صف العلوم، وفي عيدان الذرة الخضراء وهي تنمو باتجاه الشمس. لمس ذراعي، والتفتت لأخرج من الغرفة.

“سأتي مجددًا قبل ذهابي للمدرسة.”

في الصباح تسللت لغرفته، وضعت له القطرات، وتسللت عائدًا لسيارة والدي، ليأخذني للمدرسة.

بحلول اليوم الثالث، كنت قد اعتدت على غرفة رافاييل، بدت مرحبة وخالية من الأشياء والفوضى. وبينما كنت أضع له القطرات، اكتشفت عن قرب أشياء جديدة عنه: الظهور المبكر لبعض الشعر الداكن فوق شفته العليا، ورقعة الحصبة ما بين فكه ورقبته. جلست على طرف سريره وتحدثنا عن “أفعى في ظل القرد”. ناقشنا ذلك الفيلم مرات عدة، وقلنا أشياء قلناها من قبل، ولكن في هدوء غرفته بدت تلك الأشياء كأسرار. أصواتنا كانت منخفضة، تكاد تكون همسًا. وكان دفء جسمه يُلقي دفءً على جسدي.

نهض ليقوم بتمثيل أسلوب الأفعى، وبعد ذلك، أثناء ضحكنا، أمسك بيدي، ليتركها ويبتعد عني قليلاً.

“اختفت الأبوللو،” أخبرني.

كانت عيناه صافية. تمنيت لو أنه لم يشفى بتلك السرعة.

حلمت أنني مع رافاييل وبروس لي في ساحة مفتوحة، نتدرب من أجل معركة. وعندما استيقظت، رفضت عيناي أن تنفتحا، فتحت جفناي بعنف، فشعرت بعيني تحترق وتؤلمني. ومع كل رمشة، بدا وكأن عيني تفرز سائل كريه يغطي رموشي. شعرت وكأن هناك الكثير من حبيبات الرمل الساخنة تحت جفناي. بدا وكأن شئ ما بداخلي بدأ في الذوبان، شئ ليس من المفترض أن يذوب.

صرخت أمي في رافاييل، “لماذا أحضرت ذلك الشئ لمنزلي؟ لماذا؟” وكأن إصابته بالأبوللو كانت مؤامرة ليصيب ابنها بالعدوى. لم يرد رافاييل، لم يرد عليها من قبل أثناء صراخها فيه. كانت تقف أعلى السلم، ويقف رافاييل أسفله.

“كيف تمكن من إصابتك بالأبوللو من غرفته؟” سألني والدي.

“لم يكن رافاييل، أعتقد أنني أصبت به من أحد زملائي بالفصل،” كذبت على والداي.

“منّ؟” كان عليّ أن أعرف أن أمي ستسأل. في تلك اللحظة، اختفت أسماء زملائي بالفصل من عقلي.

“من؟” كررت سؤالها.

“تشيدي أوبي” أخبرتها أخيرًا، بأول اسم طرأ بذهني. كان يجلس أمامي وتفوح منه رائحة الجوارب القديمة.

“أتشعر بالصداع؟” سألتني أمي.

“نعم”.

أحضر لي والدي بنادول، واتصلت أمي بالدكتور ايجبوكي. كان والداي في حركة دائمة، وقفا عند الباب، ليشاهدانني أشرب محلول الحبوب الذي حضره والدي. شربت بسرعة وأنا أتمنى ألا يقوما بإحضار الكرسي الكبير للغرفة، كما كانا يفعلان كلما أصبت بالملاريا، فكنت أستيقظ وأنا أشعر ببعض المرارة في حلقي لأجد أحد والداي على بعد بوصات مني، يقرأ بصمت في كتاب، وكنت أحث نفسي على الشفاء بسرعة، لأحررهم مني.

وصل الدكتور ايجبوكي وصوب مصباحه الصغير داخي عيني، كان عطره قويًا، وظلت رائحته عالقة في الأجواء بعد رحيله، رائحة مسكرة تقرب للكحوليات وأعتقد أنها من الممكن أن تتسبب بتفاقم أعراض الغثيان. بعد رحيله، أقام والداي مذبح للمرض حول سريري – فعلى طاولة مجاورة غطوها بالقماش، وضعا زجاجة من مشروب اللوكوزاد البرتقالي، علبة زرقاء من الجلوكوز، وحبات برتقال مُقشرة على طبق بلاستيكي. لم يحضرا الكرسي الكبير، ولكن كان لا بد من وجود أحدهما على الأقل بالمنزل طيلة الأسبوع الذي أصبت فيه بالأبوللو. تبادلا الأدوار في وضع قطرات العين، وكان والدي يضعها بطريقة خرقاء على عكس أمي، فكان يترك السائل اللزج يسيل على وجهي. لم يعرفا بمهارتي في وضع القطرات لنفسي. وفي كل مرة كانا يرفعان الزجاجة فوق وجهي، كنت أتذكر النظرة في عيني رافاييل في أول أمسية بغرفته، ويطاردني إحساس بالسعادة.

أغلق والداي ستائري لتغرق غرفتي في الظلام. كنت قد سئمت التمدد على سريري، وكنت أرغب برؤية رافاييل. منعته أمي من دخول غرفتي، وكأن دخوله قد يجعل حالتي أسوأ. ولكنني تمنيت بان يأتي ليراني، من المؤكد أنه يستطيع التظاهر بأنه يقوم بتغيير ملائات السرير أو إحضار دلو للحمام، فلمَ لم يأتي؟ حتى أنه لم يعتذر لي. كنت أتمنى سماع صوته، ولكن المطبخ كان بعيدًا، وصوته عندما يحادث أمي، كان منخفضًا للغاية.

في أحد المرات، بعد ذهابي للمرحاض، حاولت التسلل لأسفل لأذهب للمطبخ، ولكن ظهر والدي أسفل السلالم.

“هل أنت بخير يا صغير؟” سألني.

“أرغب ببعض الماء.” أخبرته.

“اذهب واستلقي في سريرك، سأحضره لك.”

وأخيرًا، خرج والداي معًا. كنت نائم في غرفتي وأيقظني الصمت المفاجئ في المنزل. أسرعت أسفل السلالم متجهًا للمطبخ، الذي كان فارغًا. تسائلت عما إذا كان رافاييل قد ذهب لغرفته، ليس من المفترض أن يذهب لغرفته خلال الصباح، ولكنه ربما فعل عندما خرج والداي. ذهبت للشرفة المفتوحة. سمعت صوت رافاييل قبل أن أراه، واقفًا قبالة خزان الماء، ويلعب بقدميه في الرمال ويتحدث مع جوزفين، خادمة الأستاذ نوسو. كان الأستاذ نوسو أحيانًا يرسل بيض من مزرعة الدجاج الخاصة به، ولم يكن يقبل بأي نقود من والداي. هل أحضرت جوزفين البيض؟ كان طويلة وممتلئة، وبدا وكأنها قد ودعته بالفعل ولكنها كانت تتسكع فحسب. حولها، كان رافاييل يبدو مختلفًا – انحناءة ظهره وقدمه المتوترة. كان خجولاً، وكانت تحادثه بنوع من السُلطة، وكأنه خفيًا بالنسبة لها وكانت ترى من خلاله الأشياء المسلية لها. شعرت بعدم الفهم.

“رافاييل!” ناديته.

التفت ناحيتي، “أوكيناوا. هل من المسموح لك النزول لأسفل؟”

كان يحدثني وكأنني طفل، وكأننا لم نجلس معًا في غرفته الضيقة.

“أنا جائع! أين طعامي؟” كان أول شئ يخطر في ذهني، ولكن أثناء محاولتي لأبدو مستبد، بدوت شديد الغضب.

تجعد وجه جوزفين وبدت وكأنها على وشك أن تنفجر في ضحكة طويلة بطيئة. أخبرها رافاييل بشئ لم أسمعه، ولكن كان له وقع الخيانة. وصلت سيارة والدي آنذاك، وفجأة أصيب رافاييل وجوزفين بالتوتر. أسرعت جوزفين بالخروج، وجاء رافاييل ناحيتي. كانت هناك بقعة برتقالية على قميصه، كتلك التي يخلفها زيت النخل في الحساء. لو لم يعد والداي في تلك اللحظة، لكان اختار البقاء بجوار خزان الماء ذلك مغمغمًا بالكلام، وجودي لم يغير أي شئ.

“ما الذي ترغب بأكله؟” سألني.

“أنت لم تأتِ لرؤيتي.”

“أنت تعرف أن المدام منعتني من الاقتراب منك.”

لمَ كان يتحدث وكأن هذا شئ طبيعي؟ أنا كذلك طُلب مني عدم الذهاب لغرفته، ولكنني ذهبت رغم ذلك، كنت أضع له قطرات العين كل يوم.

“أنت من أصبتني بالأبوللو، على أية حال.” أخبرته.

“آسف” أخبرني بملل، وكان ذهنه في مكان آخر بالفعل.

سمعت صوت أمي، وكنت غاضبًا لعودتهما، فوقتي مع رافاييل كان قصيرًا، وكنت أشعر بفجوة بيننا تكبر.

“أترغب بالموز أم البطاطا الحلوة؟”سألني رافاييل، ليس ليسترضيني ولكن ليظهر أن شيئًا هامًا لم يحدث. شعرت بحروق في عيناي مجددًا، كان قد بدأ في صعود السلالم. ابتعدت عنه، ولكن بسرعة شديدة، لحافة الشرفة، فشعرت بخفي المطاطي يعرقلني. وشعرت بعدم التوازن، فوقعت على يداي وركبتاي، وقد فاجئتني قوة وزني، وأحسست بدموعي تتساقط قبل أن أمنعها. جمدتني الاهانة فلم أتحرك.

ظهر والداي.

“أوكيناوا!” صرخ والدي.

بقيت على الأرض وقد انغرست احدى الصخور في ركبتي. “رافاييل دفعني.”

“ماذا؟” قالها والداي في نفس الوقت، وباللغة الانجليزية. “ماذا؟”

كان لا يزال هناك متسع من الوقت، قبل أن يلتفت والدي لرافاييل وقبل أن تتجه أمي ناحيته في محاولة صفعه، قبل أن تخبره بأن يذهب لجمع حاجياته ويرحل فورًا، كان لا يزال هناك متسع من الوقت. كان بإمكاني الحديث، كان بمقدوري قطع صمتي ذلك، كان بإمكاني اخبارهم بأنها كانت حادثة. كان من الممكن سحب كذبتي وترك والداي في حالة تساؤل.

قصة “أبوللو” للكاتبة النيجرية تشيمامندا نجوزي أديتشي – الجزء الأول

Standard

8290323769_178b248257_b

(نشرت في مجلة النيويوركر بتاريخ 13 أبريل 2015)

مرتين كل شهر، كوني الابن المطيع، أزور والداي في إينوجو في شقتهما المفروشة الصغيرة التي يغطيها الظلام كل ظهيرة. تغيرا وتقلصا بفعل التقاعد. كانا في أواخر الثمانينات، كلاهما صغير الحجم وببشرة بلون الماهوجني، مع نزعة للإنحناء. أصبحا يشبهان بعضهما البعض كثيرًا، وكأن كل تلك السنوات أذابت ملامح كل منهما في الآخر. حتى رائحتهما كانت واحدة – رائحة المنثول المغرقة بالنعناع، من قارورة فيكس الخضراء التي كانت تتنقل بينهما، حيث كانا يستخدمانها بحرص في فرك فتحات أنفيهما وكل مفاصلهما المتألمة. عند وصولي، كنت أجدهما إما جالسين في الشرفة يحدقون في الطريق أو غارقين في أريكة غرفة الجلوس، يشاهدان عالم الحيوان. اكتسبا احساس جديد وأكثر بساطة عن الانبهار. فكانا يتعجبان لمكر الذئاب، ويضحكان على مهارة القرود، ويسألان بعضهما البعض، “إيفوكاوا؟ أرأيت ذلك؟”

ولدهشتي، اكتسبا اعجاب جديد بالقصص الخارقة. في أحد المرات أخبرتني أمي أن أحد الجيران المرضى في آبا، مدينة أجدادنا، تقيأ جندب – حشرة حية متلوية، وهو في رأيها دليل أن أحد أقاربه الأشرار قام بتسميمه. “أرسل أحدهم صورة الجندب لنا” أخبرني والدي. كانا دومًا ما يقومان بدعم قصص بعضهما البعض. عندما أخبرني والدي أن الخادمة الصغيرة بمنزل القائد أوكيكي ماتت في ظروف غامضة، وعندما بدأت قصة قتل القائد لها واستخدام كبدها في طقوس لصنع المزيد من المال، أضافت أمي، “يقولون أنه استخدم قلبها كذلك.”

منذ خمسة عشر سنة، كان والداي ليسخرا من مثل هذه القصص. أمي، أستاذة جامعية في العلوم السياسية، كانت لتقول “هراء” بأسلوبها الرقيق، ووالدي، أستاذ جامعي في علم التربية، كان ليشخر مستهزئاُ، كونها قصص لا تستحق الكلام حتى. كان يربكني انسلالهم من جلودهم القديمة، ليصبحا من أولئك النيجيريين الذين يروون حكايات عن مرضى بالسكر شفوا عند شربهم للماء المُقدس.

وعلى الرغم من ذلك كنت ألاطفهم وأستمع لقصصهم نصف منتبهًا. كان أشبه بنوع جديد من البراءة، تلك الطفولة في ذلك السن. أصبحوا أكثر بطءً بمرور السنين، وكانت وجوههم تضئ لمرآي وحتى أسئلتهم المتلصصة – “متى ستمنحنا حفيدًا؟ متى ستحضر فتاة وتقدمها لنا؟” – لم تعد تصيبني بالتوتر كما كانت من قبل. وفي كل مرة أقود فيها بعيدًا، ظهيرة كل أحد بعد غداء مُتخم من الأرز والحساء، كنت أتسائل عما إذا كانت تلك هي المرة الأخيرة التي سأراهما كليهما على قيد الحياة، عن إمكانية أن أتلقى مكالمة هاتفية من أحدهما قبل زيارتي التالية يخبرني فيها أن أحضر حالاً. تملأني تلك الفكرة بحنين حزين يلازمني حتى وصولي لبورت هاركورت. وعلى الرغم من ذلك كنت أعرف أنني إن كونت عائلة، إن بدأت بالتذمر من مصاريف المدارس الباهظة كما يفعل أولاد أصدقائهم، فأنني لن أزورهم على الدوام. ولن يكون لدي ما يعوضني عن ذلك.

وخلال احدى زياراتي في نوفمبر، تحدث والداي عن زيادة السرقات المسلحة في الشرق. فاللصوص كان عليهم الاستعداد لعيد الميلاد، كذلك. أخبرتني أمي عن تمكن جماعة مسلحة من الأهالي في أونتاشا من القبض على بعض اللصوص وضربهم وتمزيق ملابسهم – وكيف قاموا برمي اطارات السيارات القديمة حول رؤوسهم كالقلائد، وسط صرخات باحثة عن عيدان الكبريت والبنزين، قبل وصول الشرطة واطلاقها بعض طلقات النار في الهواء لتفريق الحشد، قبل أن يأخذوا اللصوص بعيدًا. توقفت أمي عن الحديث، وكنت أنا في انتظار تفسير خارق للطبيعة لتزخرف القصة. ربما بعد وصولهم لمخفر الشرطة، تحول اللصوص لنسور وطاروا بعيدًا.

“أتعرف أن أحد اللصوص المسلحين، وفي الواقع قائدهم، هو رافييل؟ كان خادمنا منذ سنوات. لا أعتقد أنك ستتذكره.” أخبرتني.

حدقت في والدتي. “رافييل؟”

“لست متفاجئًا لما آل إليه حاله،” قال والدي. “لم تكن بدايته جيدة.”

غاص عقلي في الهدوء الذي تلا حكاية والداي، وبدأت أصارع ذكرياتي التي استيقظت بعنف الآن.

وقالت أمي مجددًا، “من المحتمل آلا تتذكره. كان هنالك الكثير من الخدم، وكنت صغيرًا آنذاك.”

ولكنني تذكرته. بالطبع أتذكر رافاييل.

لم يتغير شئ عندما آتي رافاييل للعيش معنا، ليس في البداية على أية حال. بدا مثله مثل الآخرين، مراهق عادي الشكل من قرية مجاورة. الخادم الصغير من قبله، هاجينوس، تم إرساله لمنزله لإهانته أمي. ومن قبل هاجينوس كان جون، والذي أتذكره لأنه لم يتم إرساله بعيدًا؛ ولكنه كسر أحد الأطباق بينما كان يقوم بغسيلها ولكن لخوفه من غضب أمي، قام بجمع أغراضه وهرب قبل عودتها للمنزل من عملها. كل الخدم الصغار عاملوني برعاية من يزدري والدتي. من فضلك فلتأتي وتأكل طعامك، كانوا يقولون، لا أرغب بأي مشاكل مع السيدة. إعتادت أمي الصراخ فيهم، لكونهم بطيئوا الحركة، وأغبياء، وضعيفي السمع، حتى قرعها للجرس، وأناملها وهي تلتف حول مقبض الباب الأحمر، والجلبة التي تسببها في المنزل، جميعها تبدو كالصراخ.كم كان من الصعب عليهم تذكر وصفات البيض المختلفة، أبي كان يفضله بدون إضافات بينما أمي تفضله بالبصل، أو تذكر وضع الدمى الروسية في نفس الرف بعد تنظيفه، أو كي زيي المدرسي جيدًا؟

كنت الطفل الوحيد لوالداي، وقد ولدت في وقت متأخر من حياتهم. “عندما حملت بك، إعتقدت بأنه كان إنقطاع الطمث عندي”، أخبرتني أمي مرة. ولابد أنني كنت في الثامنة من عمري، ولم أعرف ما تعنيه جملة “إنقطاع الطمث”. كان أسلوبها فظ، مثل والدي تمامًا، وكانت تحيط بهم هالة من يسارعون لرفض وانتقاد الآخرين. تقابلا في جامعة إبدان، تزوجا في ظل إعتراض عائلتيهما – أهله اعتبروها مثقفة أكثر من اللازم، بينما أهلها فضلوا زوج أكثر ثراءً – وقضيا حياتهما في منافسة حميمية حادة تتلخص فيمن نشر أكثر من الآخر، من فاز في تنس الريشة، من كانت له الكلمة الآخيرة في أي جدال. وكانا كثيرًا ما يقرآن لبعضهما البعض في الأمسيات، من الكتب أو الجرائد، على قدميهما بدلاً من الجلوس في الردهة، وأحيانًا كانا يجوبان المنزل وكأن فكرة جديدة على وشك أن تنبثق من أيّ منهما. كان يشربان نبيذ ماتيوس الوردي – وكانت زجاجته الداكنة الدائرية موجودة بإستمرار على أي طاولة بالقرب منهما – تاركين خلفهم أكواب تغطيها رواسب حمراء خافتة. وعلى مدار طفولتي، كنت أخشى ألا أكون سريع كفاية للرد عندما يتحدثاني معي.

كنت أقلق أيضًا من عدم إهتمامي بالكتب. فالقراءة لم تكن تؤثر فيّ كما تؤثر في والداي، كانت تحمسهم وتحولهم لمخلوقات تائهة في الزمن، غير مدركان متى أذهب ومتى أعود. كنت أقرأ الكتب بالقدر الكافي لإرضائهم، ولأجيب عن الأسئلة غير المتوقعة التي قد تأتي وسط وجبة غداء معهم – ماذا كان رأيي في بيب؟ هل فعل إيزولو الشئ الصواب؟ لطالما شعرت بكوني متطفلاً في منزلنا. احتوت غرفتي على الكثير من رفوف الكتب، بها الكتب التي لم يكن لها حيز في المكتب أو الردهة، وكانوا يشعرونني بأنني ضيف على هذا المكان، وكأنني موجود حيث لا يجب أن أكون. كنت أشعر بخيبة أمل والداي من نظرتهما لبعضهما البعض عندما يسمعانني أتحدث عن كتاب، وكنت أعرف ان ما أقوله ليس خاطئ ولكنه كان حديثًا عاديًا، خالي من سمة الإبداع التي تميزهما. الذهاب لنادي الأساتذة معهم كان عذاب: تنس الريشة كان مملاً، فالكرة المستخدمة في تنس الريشة بدت لي وكأنها عمل غير منتهي، وكأن أيًا كان من إخترع اللعبة قد توقف في منتصف مهمته.

ما كنت أحبه حقًا هو الكونغ فو. شاهدت فيلم “دخول التنين” لمرات عديدة حتى أنني حفظت كل الجمل به، ولكم تمنيت أن أستيقظ لأجد نفسي تحولت لبروس لي. كنت أسدد ركلاتي وقبضاتي في الهواء، بإتجاه أعداء خياليين قاموا بقتل عائلتي الخيالية. كنت أقوم بوضع فراشي على الأرض، وأقف فوق كتابين سميكين – عادة ما يكونا نسختي من “الجمال الأسود” و”أطفال الماء” – وأقفز على الفراش وأنا أصرخ مثل بروس لي. في أحد الأيام أثناء تدريبي، نظرت لأعلى لأجد رافاييل واقفًا يراقبني عند الباب. توقعت توبيخًا خفيفًا من ناحيته، فقد قام بتنظيف سريري ذلك الصباح، أما الآن فقد بدت الغرفة غارقة في الفوضى. عوضًا عن ذلك، ابتسم ولمس صدره، ورفع اصبعه لفمه، وكأنه يتذوق دمائه. كان ذلك مشهدي المفضل. حدقت في رافاييل وقد غمرتني إثارة تلك المفاجأة غير المتوقعة. “شاهدت الفيلم في منزل آخر كنت أعمل به”، أخبرني، “شاهد هذا.”

دار قليلاً وقفز لأعلى وسدد ركلة، كانت قدمه مستقيمة وموجهة لأعلى، وكان جسده مشدود بأناقة. كان عمري اثني عشرة عامًا، ولم أكن حتى ذلك الوقت، مررت بشعور بأن أرى نفسي في شخص آخر.

تدربنا رافاييل وأنا في الحديقة الخلفية، نقفز من الممر الخرساني لنهبط على العشب. أخبرني رافاييل بأن أسحب معدتي للداخل، بأن أبقي قدماي مستقيمتان وأصابعي دقيقة. علمني التنفس. كل محاولاتي السابقة في محيط غرفتي المغلق، كانت تبدو ميتة. أما الآن بالخارج مع رافاييل، قاطعًا الهواء بيدي، أشعر بتدريبي يصبح حقيقة، بالعشب الناعم من تحتي والسماء العالية من فوقي، وبكل الفضاء الشاسع ذلك أنه ملكي لأقهره. كان ذلك يحدث فعلاً، من الممكن أن أحوز الحزام الأسود في يوم من الأيام. خارج باب المطبخ، كانت هناك شرفة مفتوحة على مستوى مرتفع، وكنت أريد القفز من على مستواها العالي ذلك لأجرب ركلة طائرة. “لا” منعني رافاييل، “تلك الشرفة مرتفعة جدًا.”

في أيام العطلات، إذا ذهب والداي لنادي الأساتذة بدوني، كنا نشاهد رافاييل وأنا أشرطة بروس لي، وأراقب رافاييل وهو يقول “احترس! احترس!” بعينيه، وكأنني أشاهد الأفلام لأول مرة، وبعض الحركات التي اعتقدت في سهولتها أصبحت أكثر وضوحًا عندما أسمعه يقول “انتبه!” كان رافاييل يعرف ما يهم حقًا، وكانت الحكمة تبدو ظاهرة على مسام جلده. أعاد مشاهدة المقاطع التي يستخدم فيها بروس لي سلاحه الننشاكو، محدقًا دون أن يغمض عينيه، فاغرًا فمه لمشاهدة هجومات سلاح الخشب والمعدن.

“أتمنى لو أنني بحوزتي ننشاكو،” صارحته.

“استخدامها صعب للغاية”، أخبرني رافاييل مؤكدًا، وكدت أشعر بالأسف لرغبتي فيها.

وبعدها بفترة قصيرة، أعود من المدرسة في أحد الأيام لأجد رافاييل يقول، “انظر.” ويخرج من خزانة سلاح ننشاكو – مكون من قطعتي خشب تم كسرهم من ممسحة قديمة وصنفرتهم، تصل بينهم سلسلة من الحلقات المعدنية. لا بد أنه أمضى أسبوع على الأقل يعمل عليها، في وقت فراغه بعد انتهاؤه من أعمال المنزل. علمني كيفية استخدامها، وكانت حركاته خرقاء، ليس مثل بروس لي. أخذت الننشاكو وحاولت لفها، ولكن كانت النتيجة ندبة على صدري. ضحك رافاييل قائلاً، “أتظن أن يمكنك البدء بحركات كهذه؟ عليك أن تتدرب لوقت طويل.”

في المدرسة، كنت أمضي وقتي بالتفكير في نعومة الخشب في باطن يدي. كانت فترة ما بعد المدرسة مع رافاييل، هي بداية حياتي الحقيقية. لم يلحظ والداي تقربي من رافاييل. كل ما كان يلفت انتباههم أنني صرت أميل للعب في الخارج، ورافاييل كان مجرد جزء من المشهد بالخارج: يزيل الأعشاب الضارة من الحديقة، أو يغسل القدور في خزان المياه. في ظهيرة أحد الأيام، انتهى رافاييل من نتف ريش دجاجة ليقاطع تدريبي المنفرد على العشب، صارخًا “قتال!” بدأت مبارزة، هو بيداه العاريتين، وأنا ملوحًا بسلاحي الجديد. دفعني بعنف، فضربته أحد نهايات السلاح في ذراعه، وبدا متفاجئًا ثم راضيًا، وكأنه لم يظنني قادرًا على تسديد حركة كتلك. لوحت مرة تلو الأخرى، وكان مخادعًا يتفادى ويسدد ركلاته. مضى الوقت، وفي النهاية كان كل منا يلهث ويضحك. أتذكر حتى الآن، وبكل وضوح، قصر سرواله في تلك الظهيرة وكيف جرت عروقه على قدميه مثل الحبال.

قصة “عزيزي ألكساندروس” للكاتب الأمريكي جون أبدايك

Standard

updike1

(قصة من مجموعة “ريش الحمام وقصص أخرى”)

إحدى رسائل ألكساندروس كونداوريتس، أحد الأطفال المحتاجين في تسجيلات مؤسسة الأمل، وهي دار خيرية عالمية مقرها في نيويورك.

يوليو 1959

أعزائي السيد والسيدة بينتلي:

والداي الأمريكيين الأعزاء، بدءاً عليّ أن أطمئن على صحتكم، ومن ثم إن سألتوني، سأخبركم أنني بحالة جيدة، وأشكر الرب على هذا، وأتمنى أن تكونوا مثلي. فليحفظكم الرب دائماً، ويحقق لكم كل السعادة والفرح التي تأملونها. بفارغ الصبر كنت في إنتظار إستلام رسالة منكم هذا الشهر، ولكن للأسف لم أستلم أي رسالة مجدداً. لذلك أصبحت قلقاً عليكم، فلكم أحب أن أسمع أخباركم، والداي الأمريكيين الأعزاء. فقد أظهرتم اهتماماً كبيراً بي، وكل شهر أستلم مساعداتكم. الجو حار للغاية هنا في هذا الوقت من العام، فنحن في قلب الصيف. العمل في الحقول متعب للغاية، هكذا أسمع كبار السن يقولون. أما بالنسبة لي، فعندما لا يكون لدي عمل بالمنزل فأنا أذهب للبحر للسباحة برفقة أصدقائي. فالبحر في هذا الوقت من العام جميل للغاية. أخباري ليست كثيرة. تستمر الأجازة حتى يحين الوقت لإعادة فتح المدارس، وحينها بعزم متجدد وسعادة سنبدأ بدروسنا مجدداً. اليوم وأنا أكتب لكم أردت إخباركم بأنني تسلمت الثمانية دولارات التي أرسلتموها لي، لشهر يوليو، وأشكركم كثيراً. بهذا المال سأشتري ما أحتاجه، كما سنشتري بعض الدقيق للخبز. في النهاية، أبعث بتحيات جدتي وأختي الصغيرة، وآمل بأن تصلكم رسالتي وأنتم بصحة جيدة. سأتطلع لإستلام رسالة منكم، لأعرف أخباركم وأعرف كيف تقضون صيفكم. تحياتي بكثير من المودة.

ابنكم،
ألكساندروس

وقد جاء الرد من كينيث بينتلي بعد فترة قصيرة.

25 سبتمبر

عزيزي ألكساندروس:

نحن آسفون لقلقك بشأننا لأنك لم تستلم أي رسالة منا. أخشى أننا لسنا بمواظبتك على الكتابة، ولكن تلك المؤسسة ذات الشهرة المزعومة تتأخر كثيراً في تسليم رسائلنا، فيبدو أنهم يقضون فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر لتسليمها. ربما أرسلوهم بطريق الخطأ إلى الصين.

أنت تصف الصيف اليوناني بطريقة جميلة. أنه الخريف الآن في نيويورك. الأشجار الصغيرة الحزينة في الشارع الصغير الحزين حيث أعيش بدأوا بالتحول للون الأصفر، تلك التي لم تموت منها بعد. الفتيات الجميلات اللائي يسرن في الشارع الكبير بدأن بارتداء القبعات مجدداً. في نيويورك عادة ما تغطي الشوارع الرئيسية الجنوب والشمال لذلك غالباً ما يوجد جانب مشرق وجانب مظلم والآن يعبر الناس الشارع للجهة المشرقة لأن الشمس لم تعد دافئة جداً. السماء زرقاء للغاية وفي بعض الليالي، بعد أن أفرغ من طعامي في أحد المطاعم، أتمشى بضعة شوارع حتى أصل للنهر الشرقي لأراقب القوارب وأشاهد بروكلين، وهي جزء آخر من هذه المدينة المهولة.

أنا والسيدة بينتلي لم نعد نعيش معاً. لم أنتوي إخبارك بذلك ولكن الآن وقد كتبت الجملة لا أرى ضرر من معرفتك لذلك. ربما كنت تتسائل بالفعل لمَ أكتب من نيويورك بدلاً من جرينويش، كونيكتيكت. السيدة بينتلي وأماندا وريتشارد الصغيران لازالوا يعيشون بمنزلنا الجميل في جرينويش وآخر مرة رأيتهم فيها بدوا بصحة جيدة جميعاً. أماندا على وشك بدء الحضانة وكانت متحمسة للغاية وقد أصرت على إرتداء الفساتين لا السراويل لأن الفساتين تجعل الفتيات الصغيرات يبدون أجمل، كما تعتقد. وهذا يغضب والدتها، وخاصة أيام السبت والأحد عندما تلعب أماندا في التراب مع أطفال الجيران. ريتشارد يمشي بشكل أفضل الآن ولا يحب سخرية أخته منه. ومن يلومه؟ أذهب لرؤيتهم مرة في الأسبوع لأخذ رسائلي ورسالتك الأخيرة كانت ضمن الرسائل التي استلمتها وقد سعدت بقرائتها. طلبت مني السيدة بينتلي بالرد عليك، وقد سعدت بفعل ذلك، لأنها من قامت بالرد عليك في المرة السابقة. في الواقع لا أعتقد بأنها فعلت ذلك، كتابة الرسائل كانت أحد الأشياء التي لم تكن جيدة فيها، على الرغم من أنها كانت فكرتها في التعامل مع منظمة الأمل، أنا أعلم مدى حبها لك، وكانت سعيدة للغاية لمعرفتها بأنك ستبدأ سنتك الدراسية بعزم وسعادة.

كانت هنالك الكثير من الحماسة في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب زيارة رئيس روسيا السوفيتية، السيد خروشيف. هو شخص متحدث وواثق من نفسه وعند مقابلته ببعض سياسينا المتحدثين والواثقين من أنفسهم حدثت بعض الخلافات، وقد ظهر معظمها على التلفزيون ليراها الجميع. قلقي الرئيسي كان من إمكانية أن يطلق أحد النار عليه ولكنني لا أعتقد بأن هذا سيحدث بعد اليوم. وجوده في الدولة خلف إحساساً غريباً، أشبه بإبتلاع عملة معدنية، ولكن الأمريكيون في تلهفهم للسلام قد يتحملون أي مشقات صغيرة إن كانت ستفيدهم. الولايات المتحدة الأمريكية، كما ستتعلم في المدرسة على الأرجح، كانت لسنين كثيرة دولة معزولة ولذلك مازال هناك ذلك الإعتقاد الطفولي بأنه إن قامت الدول الأخرى، على رغم كوننا قوة عظيمة، بتركنا وشأننا، سنحقق السعادة.

هذه لم تكن فقرة جيدة للغاية وربما سيقوم الرجل أو المرأة ممن يقومون بكل لطف بترجمة رسائلنا لك بالإستغناء عنها. أصبت ببعض البرد بصدري والذي إختلط بدخان سجائري ليشعرني بقدر كبير من عدم الراحة والإرتباك، رغم جلوسي لفترات طويلة.

أنا حزين لأنني أستطيع تصورك وأنت تسأل، “أكان السيدة والسيدة بينتلي، اللذان يقومان بإرسال كل تلك الرسائل السعيدة من أميركا، وصور أطفالهم، ومعطف وسكين للأدوات لعيد الميلاد، يكذبون عليّ؟ لما لا يعيشون معاً بعد الآن؟” لا أرغب بأن تقلق. ربما في قريتك هناك بعض الأزواج والزوجات ممن يتعاركون. ربما يستمرون بالتعارك ولكن يستمرون بالحياة معاً ولكن في أميركا حيث لدينا الكثير من أنابيب المياه والعربات الكثيرة والطرق السريعة نسينا كيف نعيش مع بعض المضايقات، رغم أنني أعترف بأن حياتي الحالية مزعجة بعض الشئ بالنسبة لي. أو ربما خلال تعليمك، إن إستمررت به، كما آمل أنك ستفعل، قد يجعلك القساوسة أو الراهبات تقرأ القصيدة الإغريقية الشهيرة الإلياذة، حيث يقوم الشاعر هوميروس بقص حكاية هيلين التي تركت زوجها لتحيا مع باريس وسط أحصنة طروادة. هذا شبيه بما حدث مع عائلة بينتلي، ولكن على العكس فأنا كرجل من ذهبت للعيش وسط أحصنة طروادة، وتركت زوجتي بالمنزل. لا أعلم إن كانت الإلياذة جزء من تعليمك، وأرغب بمعرفة ذلك. دولتك لا بد لها أن تفخر بإنتاج تحف أدبية يستطيع العالم بأكمله الإستمتاع بها. في الولايات المتحدة الأمريكية ينتج الكُتاب العظماء أعمالاً لا يستمتع الناس بها، لآنها مُحبطة للغاية.

ولكننا لم نكذب عليك: السيدة بينتلي وأماندا وريتشارد وأنا كنا سعداء للغاية ولازلنا سعداء لحد ما. أرجو أن تستمر بإرسال رسائلك المذهلة لنا، ستصل إلى جرينويش، وسنستمتع جميعنا بها. وسنستمر بإرسال المال لك الذي تخبرنا بأنك شاكر له، على الرغم من أن المال الذي نرسله لك لا يمثل عشر المال الذي كنا ننفقه على المشروبات الكحولية. ليس الأمر وكأنني أنا والسيدة بينتلي كنا نشرب كل هذه المشروبات الكحولية. كان لدينا الكثير من الأصدقاء ممن كانوا يتولون عملية الشرب تلك، معظمهم أشخاص مملين، ولكن ربما كنت لتحبهم أنت أكثر مني. وبالتأكيد كانوا ليحبوك أكثر مني حالياً.

أنا سعيد للغاية بأنك تعيش بالقرب من البحر حيث يمكنك الإستمتاع والسباحة بعيداً عن عمل الحقول المتعب. لقد ولدت في أحد المناطق الداخلية بأميركا، على بعد آلاف الأميال من أي محيط، ولم أعرف حب البحر إلا بعد زواجي وتقدمي في السن. لذلك أنت أوفر حظاً مني في هذه النقطة. فأن تكون بالقرب من البحر لهي نعمة كبير، وأتذكر تفكيري كم من الرائع أن أولادي يعرفون شعور الجري على رمال الشاطئ الجميل “ولكن” بجرينويش، وليمروا بذلك الشعور المنعش والبارد مثل “النبيذ الداكن”، كما يصفه شاعركم هوميروس، للعالم الآخر.

الآن عليّ أن أنتهي من الكتابة، فقد وافقت على إصطحاب امرأة شابة للعشاء، امرأة ستكون مهتماً لتعرف بأنه لها بعض الأصول اليونانية، على رغم مولدها في أميركا، وتتمتع بقدر كبير من جمال شعبكم. ولكنني أثقلت بما فيه الكفاية على المترجم. أبعث بأحر أمنياتي لجدتك، التي اهتمت بك بعد وفاة والدتك، وأختك، التي يبدو أن صحتها ورفاهيتها يحتلان مكانة كبيرة في قلبك.

بإخلاص،
كينيث بينتلي.

ملحوظة: الآن قد لاحظت بندم أنه في بداية رسالتي لم أتعامل بلطف مع المؤسسة الممتازة التي مكنتنا من معرفتك، ومن قراءة رسائلك الجميلة، والتي نسعد دوماُ باستلامها وقرائتها مرة بعد الأخرى. وإن لم نكن نبادلك الرسائل بالقدر المطلوب فهذا خطأنا ونطلب مسامحتك.